هي محاولة بسيطة ومختصره لجمع شتات الافكار التي اردت ان اتناولها بشكل مقتضب وسريع لما أقوم به في احد فصول اطروحتي في الدكتوراه حول توليد الشرعية من خلال النص التاريخي. (سوف أقوم بتحديثها فيما بعد)
كتب القاضي النعمان كتابه – افتتاح الدعوة وابتداء الدولة – في مدينة المنصورية، عاصمة الخلافة الفاطمية، تحت طلب، إشراف، ورعاية من قبل الخليفة الفاطمي، المعز لدين الله. يأتي هذا الطلب من قبل الخليفة الفاطمي على اساس رغبة في حفظ التاريخ الفاطمي من عدة أمور. أولا، حفظ تاريخ الفاطمي من العبث من قبل المؤرخين المنافسين ممن يحمل نفَساً ضد الفاطميين. ثانياً، تكوين ما يعرف بالذاكرة (المنتقاة او المفلتره)، فقد نبه الباحثين مثل Brett and Halm، وغيرهم بأن أول ما كتبه القاضي هو سيرة أبو عبدالله الشيعي ثم أصبح ممن قد غُضِبَ عليه من قبل السلطة الخلافية. بسبب هذا الغضب أنتج القاضي النعمان النص من جديد مما يظهر الداعي الشيعي ممن قد أوصل المهدي الى الحكم ثم إختفى من المشهد التاريخي.
من أجل فهم دقيق حول النص التاريخي الذي بين أيدينا، نحتاج الى ان نفهم أولا الطبيعة التأويلية عند الفاطميين في الربط بين الرسول / الداعي وبين الإمام علي / الإمام الفاطمي المهدوي. استطاع القاضي النعمان بحرفه لغوية بارعه – مثل أي مؤرخ يؤرخ لدولته في العصر الوسيط – أن يجعل القارئ يتجه الى فهم طبيعه العلاقة بين الداعي الشيعي مع مجتمعه ويستنتج بأن الذي يمارسه الداعي قد مارسه الرسول – صلى الله عليه وسلم – من قبل في فترة بناءه للمجتمع الإسلامي الأول. حيث طبق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقرب القريب من أهل الصحبه والصدق وابعد المنافق وضعيف الإيمان ولم يكن يفرق بين أحد الا بالتقوى. والرسول اتخذ الزهد طريقاً له في حياته. نرى ان القاضي النعمان عندما رتّب النص التاريخي بعد جمعه وتصفيته تصفيه سياسيه-ايديولوجيه-تاريخيه تهدف إلى بناء خط متوازٍ غير مذكور وإنما بشكل مبطن في بنية الرواية التاريخيه التي تجعل القارئ يستبصر بأن الذي يفعله الداعي هو الذي فعله النبي في بداية الإسلام.

لم يكتف القاضي النعمان صاحب الافتتاح بان جعل الداعي يوازي الرسول – صلى الله عليه وسلم – وهذا شأن المؤرخين في فترته بأن يجمعوا بين الراعي، سواء كان خليفة ام أميراً، ويجعله يقارب شخصية الرسول – عليه السلام – بل تطرق الى طريقة أخرى بعد أن صور للقارئ أن الداعي قد بنى مجتمعاً مثاليا ليس له مثيل في المغرب كله حيث يغرق في شهواته وملذاته وفساده – كما في الحالة الأغلبية. الطريقه الأخرى كانت تشمل أن يقارب القاضي النعمان الموجه التي تحولت فيها دعوة ابو عبدالله الشيعي من دعوة سرية منغلقة الى دعوة مسلحة هدفها اسقاط الدولة الاغلبية وتحرير المهدي الذي تم سجنه في سجلماسة. ونرى القاضي يستخدم ها هنا كلمات تربط بين الفتوح الإسلامية الأولى وبين فتوحات الداعي الشيعي. مثلا، يستخدم القاضي كلمة ذكر افتتاح مدينة كذا في ذكر كل مدينة قد فتحت على يده. أيضا يذكر بأن المدينة “فتحت المدينة أبوابها ودخل الأولياء” هنا اشاره الى ان مقدمة جيش الداعي هم من الأولياء الاتقياء الذين يريدون الأخرة لا الدنيا. وهي اشاره الى اظهار جيش الداعي على انه جله من المحاربين الاتقاء كما كان حال المسلمين الأوائل من جيل الصحابة وابناء الصحابه والتابعين.
بشكل مختصر يصل الداعي الى رقادة والقيروان ثم يعلن اسقاط الدولة الأغلبية، وهنا يتجه الى اخراج المهدي من حبسه في سجلماسة. يصور القاضي النعمان بأن ظهور المهدي هي ما يعرف بالتاريخ “الرواية القائدة” “master narrative” في هذه الاثناء ينفصل التاريخ عن الداعي ويتجه الحدث الى الخليفة الفاطمي الأول، المهدي بالله عبدالله، ويتتبع القاضي المهدي في خط سيرة من خروجه من سلجماسه الى وصوله الى رقادة ويستمر حتى عند قضاءه على الداعي وأخيه ابو العباس. القاضي النعمان اراد للمشهد بأن يتحول من قياده كاريزيمه للداعي الى المهدي المنتظر الفاطمي عبدالله.
تظهر قدرة القاضي في بناء الرواية التاريخيه في نصه التاريخي افتتاح الى أهمية المؤرخ في بناء وتوليد الشرعية لداعمه، هنا الخليفة المعز، الذي أراد بهذا النص ان يجعل التركيز على المهدي وأن يظهره بمظهر القائد الذي قضى على كل مخاطر الدولة الفتية الجديده حتى ممن صنع الدولة وهو الداعي الشيعي.
أضف تعليق