يقصد بالتأريخ هي عملية كتابة التاريخ التي يتفاعل بها المؤرخ مع أحداث عصره او التي سبقته والتي تعبر عن قاسم مشترك يمكن من خلاله النظر الى طريقة كتابة تاريخ دولة/أسرة معينة او تعبير عن وجهة نظر فرقة او جماعة. فالتاريخ يكتب عن طريق تفاعل ما بين الحدث / المعرفة التاريخية / الخلفية العلمية للمؤرخ.
يعد القاضي النعمان، الكاتب الرسمي للخلافة الفاطمية في شمال افريقيا، أحد ركائز التاريخ الفاطمي. بداية انتقلت الدعوة الفاطمية من سرية الى ثورة على يد الداعي الفاطمي، ابو عبدالله الشيعي، ثم تأسست الخلافة في المهدية وتدرج من خلالها القاضي النعمان في البلاط الفاطمي منذ خلافة المهدي وحتى المعز لدين الله الفاطمي. استطاع القاضي النعمان تأسيس فقة الاسماعيليين وتاريخهم الرسمي تحت اشراف الخليفة المعز لدين الله الفاطمي.
قدم القاضي النعمان وجهة نظر الفاطميين اتجاه تاريخهم في “افتتاح الدعوة و ابتداء الدولة” التي تناول بها فترة الدعوة في المشرق وايضا الدعوة في المغرب وانتصارات الداعي الفاطمي، ابو عبدالله الشيعي، في المغرب. والكتاب الثاني “شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار” التي تناول بها سيرة الأئمة منذ علي بن أبي طالب وحتى المهدي وعلاماته وظهوره.
أما الكتب الأخرى التي اثبتها القاضي النعمان في كتبه الأخرى وذكرهم ولم يتم التحصيل عليهم إما لضياعها ام لعدم كشفها من قبل الاسماعيليين. ولكن اللافت للنظر بأن القاضي النعمان صرح في كتبه الأخرى بأنه كتب سيرة المهدي وسيرة القائم وسيرة المنصور والمعز في كتب منفصله وتتبع بها الحوادث والأيام ولكن نرى بأن هذه الكتب غير موجودة الا في كتاب الداعي الاسماعيلي الطيبي عماد الدين ادريس في كتابه “عيون الأخبار وفنون الآثار” فقذ حفظ لنا سيرة الأئمة: المهدي، القائم، المنصور، فتنة أبو يزيد النكاري صاحب الحمار، المعز وانتقالهم الى مصر وحتى المستنصر في كتابه المكون من سبعة أجزاء.
هناك الكثير من الباحثين الذي عملوا على دراسة علم التأريخ الإسلامي سواء من الشرق او الغرب ولكن يهمنا الغربيين هنا. نرى روزنتال مؤلف “علم التأريخ عند المسلمين” وايضا روبنسون “Islamic history” وغيرهم من الباحثين. ولكن في ما يخص المقال نرى القلة الذين درسوا علم التأريخ الفاطمي أمثال دافتري في مقدمته في كتاب “مقدمة في تاريخ الاسماعيليين” طبعة ادنبرة
يصرح إحسان عباس، وايضا شتيرن الباحث اليهودي في الدراسات الفاطمية وايضا ويلفرد ماديلونغ بأن فتنة صاحب الحمار، ابو يزيد النكاري، قد حفظت من الضياع في كتاب عيون الأخبار وفنون الآثار بالجزء الخامس. لفهم طبيعة التأريخ الاسماعيلي/الفاطمي الذي عمل على دعم الشرعية السياسية إبان وحتى بعد هزيمة ابو يزيد النكاري. نرى بأن لغة الخطاب المستخدمه من قبل القاضي النعمان تنبئ عن التأثير العلمي للمؤرخ وكيف أثرت على انتاجه للرواية الرسمية للفتنة التي لم يحفظها بشكل دقيق ومتكامل غير القاضي النعمان. ولذلك نرى بأن الفتنة نقلها المؤرخ ابن الأثير نقلا عن كتاب القاضي النعمان.
من أجل فهم علاقة التأريخ في دعم الشرعية السياسية. تتضح لدينا بأن فتنة ابو يزيد النكاري خير دليل على هذا الشاهد وذلك لعدم وجود مؤرخين يؤرخون الاعمال السياسية من الطوائف الأخرى مثل المالكية. وسوف نرى في مقال آخر:
١. فهم طبيعة التأريخ الاسماعيلي/الفاطمي في المغرب قبل انتقالهم لمصر
٢. أهمية التأريخ كأداة لإضفاء الشرعية على الخلافة الفاطمية الشيعية في مناخٍ سني مالكي وإباضي