
من الملاحظ أن بعد انتصار الفاطميين واسقاطهم للدولة الأغلبية على يد الداعي الفاطمي، أبو عبدالله الشيعي، عام ٢٩٨ هـ/٩٠٩ مـ، استطاع الخليفة-الإمام الفاطمي الجديد بأن يثبت أركان حكمه في بناء عاصمته الجديدة “المهدية” التي تطل على البحر الابيض المتوسط والتي تربط بينها وبين صقلية التي تقع تحت نفوذهم (سوف يكون مقال مخصص لصقلية في العهد الفاطمي) والتي يطلق عليها بعض الباحثين المعاصرين لقب الإمبراطورية البحرية (Naval Empire) كان هناك تبادل تجاري وحضاري بين السكان الذي يخضعون لكل من الفاطميين والأمويين من خلال رحلات الحج والتجارة مع خط الذهب في اواسط افريقيا وغيرها من المنتوجات المختلفه.
هذا المناخ ولد استقرار بين الجانب الفاطمي والأموي نسبي جدا. ولكن نرى في الجانب الأموي أن الأمويين يحاولون القضاء على ثورة عمر بن حفصون التي استمرت حتى عهد الأمير/الخليفة الناصر لدين الله الذي استطاع القضاء عليها وإعلان الإمارة الأموية خلافة للمسلمين وتلقيب نفسه بأمير المؤمنين وخليفة المسلمين. ولكن لفهم بوادر الصراع التي بدأت بين الفاطميين والأمويين لابد من النظر في النفوذ الذي اراده كلا الطرفين لنفسه في المغرب وجنوب الأندلس.
يذكر المؤرخين بأن الخليفة الفاطمي دعم ثورة عمر بن حفصون حتى بأن الداعي أبو عبدالله، جعفر بن أحمد بن محمد بن الأسود بن الهيثم، أُرسل الى جنوب الأندلس لكي ينشر المذهب الإسماعيلي أو مذهب آل البيت وأن يكون خطيبا لمسجده الذي بناه. كان هذا الطلب من عمر بن حفصون. يرى الباحثون بأن عمر بن حفصون رأى في إعلان الخلافة الفاطمية فرصة في زيادة نفوذه في جنوب الأندلس فأرسل للخليفه المهدي كتابا يقدم له الولاء والطاعه ويطلب منه دعاة لكي ينشروا المذهب الإسماعيلي وأن يعلموا الناس المذهب الإسماعيلي.
بالفعل يذكر Paul Walker في بحثه الذي يتألف من صفحتين “The identity of one of the Ismaili da’is sent by the Fatimids to Ibn Hafsun” في مجلة Al-Qantara في العدد لسنة ٢٠٠٠ بأن قد توصل إلى معرفة أحد الدعاة التي أرسلتهم الخلافة الفاطمية إبان ثورة إبن حصفون. وهو ابن الهيثم الذي انتقل من المذهب الزيدي الى الإسماعيلي على يد الداعي الفاطمي، أبو عبدالله الشيعي.
في خضم الصراع الأموي مع ثورة ابن حفصون استطاع الفاطميين الإستفاده من الثورة في تعزيز التواجد الإسماعيلي في جنوب الأندلس، لذلك سوف نرى بأن الخليفة الأموي الناصر لدين الله يأمر بقتل ابن مسره لنشره الافكار الباطنية التي تخالف معتقد الدولة (السني-المالكي). في المقابل نرى في ثورة مخلد بن كيداد النكاري الإباضي في عهد القائم وحتى المنصور الفاطمي بأن أرسل ابنه أحمد الى البلاط الأموي عند الخليفة الأموي عبدالرحمن الناصر لدين الله لطلب المدد والمساعدة في ثورتهم ضد الفاطميين.
وانتهت ثورة ابو يزيد، مخلد بن كيداد، ولكن بدأ صراع آخر بين الخلافتين على المنصب الخلافي الذي يبين مدى أهميته في مد نفوذ الطرفين وعقد الولاء مع القبائل المغاربية في جذبهم الى صفهم عبر تقديم الخلع والهدايا والنقود وتخفيف الضرائب عليهم. مع ذلك نرى أن الخليفة الفاطمي المعز لدين الله والخليفة الاموي الناصر لدين الله يتصارعون فيما بينهم على منصب الخلافة ونذكر مما أورده الخليفة الأموي عند إعلانه خليفة على المسلمين في الخطبة التي أمر بها في مسجد قرطبة واعلن رسوم الخلافة في الاندلس.
قدمت لنا النصوص التاريخية المتوافره نصا تاريخيا يعبر عن وجهة نظر الفاطميين اتجاه الامويين في الاندلس وخلافتهم المزعومه حسب تصورهم وهو كتاب “المناقب والمثالب” أي مناقب بنو هاشم ومثالب بني أمية في نص مقارني بين فرع الأمويين وفرع بنو هاشم. يصور هذا الكتاب ذروة الصراع الفاطمي الأموي في المغرب قبل انتقالهم الى القاهرة. استطاع الفاطميون في اضعاف شرعية الأمويين من خلال بناء خطاب تاريخي وجدلي يجادل ويناقش شرعيتهم منذ الجاهلية حتى القرن الرابع. الجدير بالذكر بأن الخلافة الأموية حاولت خلق خطاب تاريخي يزيد من شرعيتها في الحكم. ولكن نرى بأن الخطاب التاريخي والجدلي الذي بدأه الفاطميون أتى بثماره مع حملة جوهر الصقلي الذي طهر إفريقيا، حسب وجهة نظر الفاطمية، من أعوان الامويين في المغرب. من الكتب المهمة التي اعطت تصورا كافيا لوجهة نظر الفاطميين اتجاه الأمويين والخلافة الأموية هو كتاب “المجالس والمسايرات” الذي احتوى على كثير من وجهات النظر الفاطميين اتجاه الامويين. على الرغم من توفر الروايات والنصوص التاريخيه لهذا الصراع الى أن نرى قليل من الدراسات التي اهتمت في هذا المجال.
أضف تعليق